التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: معارك تنغير (9/12)

 التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: معارك تنغير (9/12)

الجزء التاسع

وجدت مجموعة تنغير نفسها بين مطرقة تسرع مجموعة مولاي بوعزة وسندان مطاردات القوات النظامية، في ظل هذه الظروف انقسمت أراء المجموعة بين القيام بعمل مسلح أو التروي، في نفس الآن الذي كان النجار يشق الطريق صوب تنغير. تفاصيل معركة تنغير تجدونها في هذا الجزء

يوسف المساتي ــ أمال مديد

كان أفراد مجموعة تنغير كامنون في انتظار لحظة الصفر، حتى وصلهم خبر هجوم مولاي بوعزة، ومقتل بنونة في أملاكو. شكل الأمر صدمة لثوار تنغير، الذين ظلوا لأسابيع يجترون الخطة، ويعيدون تكرار خطوات التحرك حتى حفظوها عن ظهر قلب.

مرت لحظات حيرة، قبل أن تقرر المجموعة التراجع صوب جبال تودغا، التي كانت الثلوج تكسوها بالكامل فتزيد من قساوة الجو والمناخ، خاصة، مع اختفاء زعيم المجموعة، سيدي حمو، لأكثر من ثلاثة أيام؛ في حين كان حسين آيت زايدة مختفيا في إحدى المغارات رفقة عدد من أفراد قبيلته.

 

خيانة أومهرير تلحق لتنغير

في ذات الوقت، كانت فرقة من قوات الشرطة والقوات المساعدة والقوات الخاصة، تحط بتنغير في عمليات تفتيش مستمرة، بعدما أبلغها حدو أومهرير عن مجموعة تنغير، إثر حصوله على معلومات من اللوزي، الذي كان قد باح بها، في لحظة ثقة، لرجل الاتصال الذي فضل التعاون مع النظام.

بعد عمليات بحث مستمرة، جاءت الأوامر من الرباط بإجراء عملية بحث أخيرة، ثم العودة لتأمين الحدود مع الجزائر.

خلافات حادة داخل المجموعة

بعد أيام، جاء اللقاء الموعود بين أفراد المجموعة في أحد الجبال. جرى التداول في الوضع. كان تاغجيجت، المعروف ببوزيان، وبوشعكوك محمد، المعروف بالعثماني، من المتحمسين للقيام بعمل مسلح. أما رئيس الخلية، مرفوقا بدحمان سعيد والجزار، فقد كانوا من المعارضين، خوفا من أن يلقى نفس مآل الهجومات السابقة، وأن يؤدي ذلك إلى عمليات قمع تنقلب وبالا على التنظيم ككل.

كانت الأعصاب مشدودة والتوتر سيد الموقف؛ وتحول الاختلاف في التقدير إلى خلاف كاد أن يصبح مواجهة بين الرفاق حول تدبير الوضع، قبل أن يتفقوا على موعد ثان للتداول في الأمر.

ليلة التاسع من مارس، ستتمكن القوات النظامية من التوصل إلى مكان حسين آيت زايد وأخوين له. ما إن دقت عقارب الساعة الخامسة صباحا، حتى كانت القوات تحاصر المغارة التي يختبئ فيها الحسين ومن معه.

دارت رحى المواجهات من جديد. لم يهدأ الرصاص إلا بعد ساعات، أصيب فيها أحد أشقاء الحسين إصابة قاتلة، أدت إلى مصرعه؛ فيما تمكن الشقيق الآخر من كسر الطوق والفرار. أما الحسين آيت زايد، فقد ظل يقاوم إلى أن نفذت ذخيرته وسقط بأيدي القوات المهاجمة.

عشية نفس اليوم، كان سيدي حمو يلتقي بأفراد المجموعة للتقرير فيما اختلفوا فيه. كانت المواقف على حالها، وتباين التقديرات لازال مسيطرا على الوضع.

بعد مداولات استمرت لساعات، خلصت المجموعة إلى الانقسام لمجموعتين، الأولى تتكون من بوزيان (تاغجيجت)، سيدي حمو، بوشعكوك والمالكي… وتبقى في تنغير. أما الثانية، فتتكون من دحمان سعيد والجزار، اللذان سيغادران إلى أزيلال، حيث ستنظم لهما فرقة من المناضلين المحليين.

حدد موعد اللقاء القادم بعد ستة أيام. في اليوم الموعود، وبينما كانت مجموعة سيدي حمو في الطريق إلى اللقاء بمجموعة النجار، إذ بدوي الرصاص يمزق المكان. ارتمى سيدي حمو وبوزيان اللذان كانا في المقدمة أرضا، لتفادي وابل من الرصاص صُوِّب نحوهما من طرف فرقة من القوات المساعدة نصبت لهم كمينا، بينما أطلق العثماني والمالكي النار بشكل آلي، ليسقطا جنديا من المهاجمين.

 انقسمت المجموعة إلى قسمين، ودخلت في اشتباك مع الفرقة لمدة عشرين دقيقة، قبل أن تتمكن مجموعة سيدي حمو من قتل الضابط الذي يسير الكمين، فيفر باقي الجنود. سيدي حمو ومن معه، سيستغلون الفرصة حينها، ليفروا إلى الجبال.

النجار في تنغير

بعد رحلة طويلة دامت ستة أيام، وصل النجار ورفاقه إلى تنغير سيرا على أقدامهم. هناك، صدموا بالحقيقة، فلقد تلقى التنظيم ضربات موجعة عصفت بأغلب قادته، ولم يعد من الممكن تتبع أي خيط للوصول لسيدي حمو ومن معه، فيما اعتقل المناضلون بالمئات.

كانت المجموعة تعاني من شدة البرد والجوع وقلة الحيلة. اتخذت الجبال سكنا لها، لتتخفى من مروحيات الجيش التي تحلق بحثا عن باقي الثوار.

كان المقام في الجبل صعبا، فالثلوج تملأ المكان، والنجار ومن معه لا يوقدون النار إلا عند الغروب والفجر، ولمدة بسيطة لا تكفي لتدفئة أجسادهم الباردة، فيما تمكن أحد رفاقهم من موافاتهم بعشر كيلوغرامات من الدقيق وأربع كيلوغرامات من التمر وبعض السكر، ليستعينوا بها على مجابهة الجوع.

طال الانتظار ولا جديد. المناضلون معتقلون، المسلحون تائهون، وبعضهم سقط قتيلا في المعارك. الجبال مطوقة بالطائرات المروحية، والحواجز العسكرية تملأ كل الطرقات، بينما الوشاة والمخبرون يسرحون في كل الدروب، وخيوط الاتصال بباقي التنظيمات ممزقة، والسلطات كانت تجند الأهالي (الحياحة) في كل عملية مطاردة، ما يجعل عملية إطلاق النار على القوات النظامية أمرا صعبا، في ظل الأوامر بعدم قتل المدنيين.

كانت الصورة قاتمة متشحة بالسواد لا يكسرها إلا بياض ثلج جبال تنغير، الذي يثقل بقساوته على فكر وقلب النجار من معه.

ظلت المجموعة كذلك إلى حدود نهايات شهر مارس،  وقد فشلت كل محاولات الاتصال ببعض الأفراد من التنظيم المحلي، ففكر النجار ومن معه، في النزول صوب بني ملال.



عن موقع 

marayanaمرايانا

تعليقات