التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: الخيانة (7/12)
الجزء السابعكان ثمن الخيانة قاسيا، فقد أسقط المجموعات المتفرقة في شباك القوات النظامية مرارا، ورغم ذلك أبدى النمري ورفاقه شجاعة واستماتة في الدفاع عن أرواحهم ومخطاطتهم، في هذا الجزء نسلط الضوء على اكتشاف الخيانة وعلى الطريق إلى الجزائر المليئة بالسم
كان ثمن الخيانة قاسيا، فقد أسقط المجموعات المتفرقة في شباك القوات النظامية مرارا، ورغم ذلك أبدى النمري ورفاقه شجاعة واستماتة في الدفاع عن أرواحهم ومخطاطتهم، في هذا الجزء نسلط الضوء على اكتشاف الخيانة وعلى الطريق إلى الجزائر المليئة بالسم
يوسف المساتي ــ أمال مديد
خنيفرة: بين الخيانة والشجاعة
رغم أن مجموعة خنيفرة لازالت لم تصح من صدمة فشل هجومها ومقتل بنونة، إضافة إلى اعتقال موحى أوالحاج، إلا أن عددا كبيرا من أنصار التنظيم التحقوا بالنمري ورجاله بأجلموس، فتحول الإحباط إلى أمل بالنسبة لهم من أجل القيام بهجوم آخر تهب له كل مناطق المغرب.
في ذات الوقت، بادر النمري و رجلين معه، إلى تنفيذ مجموعة من الاغتيالات في حق الخونة والمتواطئين مع القوات النظامية. لهذا، نزل النمري ورجلين ومرافقيه إلى خنيفرة، وقتلوا عميلا محليا للمخابرات المغربية كان على رأس قائمة المطلوبين عند الثوار، وكان يعرف باسم الشيخ النهاماني، كما تم قتل شرطيين معه.
ردت الرباط فورا على العملية، بإرسال وحدات من المظليين إلى خنيفرة، والقيام بحملة اعتقالات شملت أعدادا كبيرة، اختفت في سراديب مراكز الاعتقال، وتعرض بعضهم لتعذيب لا يوصف، بينما لازال بعضهم لم يعثر له على أثر إلى وقت كتابة هذا الجزء.
ولأن الخيانة كانت قدرا لثوار الانتفاضة، فقد تمكنت القوات النظامية من نصب كمين للنمري ورجاله، بعد توصلها بمعلومات من أحد المخبرين. حاصرت القوات النمري ودخلت معه في اشتباك عنيف، أظهر فيه النمري مهارة فائقة في الدفاع والهجوم، حتى تمكن، رفقة رجاله، من كسر الهجوم.
الطريق إلى الجزائر… .. الطريق إلى السم
دارت المداولات بين الرفاق، وخلصت إلى أن يعبر النمري إلى الجزائر، ليحصل على الدعم والذخيرة اللازمين، فيما يكمن أومدة في انتظاره مع حوالي خمسة عشر رجلا.
كان النمري ومن معه… كأنما يسيرون إلى أقدارهم، ففي الطريق إلى الجزائر، دخلوا في اشتباكات متفرقة. لكن، وبآجدير، سيقع اشتباك كان الأعنف من نوعه، وذلك في 6 ماي 1973، إذ طوقتهم وحدات القوات المساعدة والقوات الخاصة.
لم يتراجع المحاربون للوراء، وتبادلوا إطلاق النار بكثافة مع القوات النظامية، قام أسكور بالتغطية على رفاقه للانسحاب.. تم تطويقه، لكنه رفض الهرب مواصلا تغطيتهم، مبديا مقاومة عنيفة. كان الجنود يتقدمون، فيوقع أسكور بهم، ويبقى ثابتا، رافضا أن يغادر، إلى أن يهرب آخر رفاقه.
نجح في التغطية على رفاقه، هربوا… حاصرته القوات. استمر في المقاومة. ألحق بهم الخسائر، وأسقط عددا من الجنود. نفذت ذخيرته، اقتربت القوات منه… شرب السم، وبينما كانت القوات تقترب، ورفاقه يبتعدون، كان أسكور يلفظ آخر أنفاسه.
واصل النمري ومن معه رحلتهم إلى الحدود الجزائرية، قبل أن تلحقهم القوات النظامية. وكعادته، لم يدخر النمري الوقت ولا السلاح، فوقعت اشتباكات عنيفة سقط فيها عدد من رجال النمري.، تقدمت القوات النظامية صوبهم لكنهم قاوموا.
نفذ السلاح بيد صبري والنمري. وعلى درب رجال المقاومة… لم يتوانيا في ابتلاع السم حتى لا يقعا حيين بيد النظام.
ألقت القوات النظامية القبض على صبري والنمري، ونقلتهم على متن مروحية عسكرية إلى مستشفى خنيفرة من أجل غسل أمعائهما وإنقاذهما، طمعا في الحصول على المعلومات منهما. لكن، وقبل أن تحط المروحية، كان النمري يلفظ آخر أنفاسه، فيما تمكنوا من إنقاذ صبري.
بعدها بأيام، في منطقة تالسينت، على بعد أربعين كيلومترا من الحدود الجزائرية، ألقي القبض على آيت عمي وبالعمراني، وهما آخر من تبقى رفقة النمري في رحلته صوب الجزائر، لتنتهي رحلة مجموعة خنيفرة بين قتيل ومعتقل ومختفي.
محمد ساعة … يكتشف الخيانة التي أسقطت المجموعة
في فيكيك، كان يجلس محمد ساعة الذي قام بتسهيل دخول المجموعة للمغرب، والمسؤول عن تخزين الأسلحة في فكيك، بعدما أجل موعده مع الميد في وهران، في انتظار لقائه بمحمود بنونة.
فجأة، بدأت تتوارد الأخبار عن هجوم مولاي بوعزة. أصيب محمد ساعة بحَيرة، زادها تحذير ضابط من القوات المسلحة الملكية كان متعاطفا مع التنظيم: “أخرج الرجال قبل فوات الآوان”.
كلف ساعة ضابطا آخر بالوقوف على الوضع في خنيفرة. لكن الضابط الرسول اختفى ولم يعد يظهر له أي أثر. لم يجد ساعة بدا من أن يخبر القيادة في الجزائر بالوضع، حيث أرسل رجلين للوقوف على المراقبة الحدودية.
جرى اللقاء في وهران بين الميد ومحمد ساعة. كان الأخير في غاية الغضب والتوتر، والخوف من أن تؤول الأمور لمنزلقات غير معروفة. في أوج ما كان يعتمل في داخل ساعة، بادره الميد بطلب مغادرته للمغرب: “أبلغني رسول من الرباط بأنك أصبحت مبحوثا عنك وعليك أن تغادر البلد”.
لم يستوعب ساعة طلب الميد في هذه الظرفية فحاول القفز إلى الأهم وهو الوضع الميداني، لكن الميد تلافى الأمر، فقرر ساعة العودة إلى فكيك رغم كل المخاطر، وذلك ما كان في الخامس من مارس.
بمجرد وصوله إلى فكيك، وجد محمد ساعة نفسه أمام أوضاع مقلقة، حتى دخل في دوامة من المشاعر الممتزجة. كانت المنطقة مطوقة بالكامل، والحراسة مشددة على الحدود؛ فيما القوات المساعدة والقوات الخاصة تجوب المنطقة، بعدما قلبت أرضها وأخرجت العديد من مخابئ السلاح، إذ تم حجز 39 سلاحا أوتوماتيكيا، من بينها 17 بندقية-رشاشة، إضافة لعدة أكياس من الذخيرة.
برغم خطورة الوضع، فقد واصل ساعة تقصيه للأوضاع على الأرض، قبل أن يتلقى صدمة أخرى. أحد رجال الدرك الذين يشرفون على عملية إخراج مخابئ الأسلحة، كان مسؤولا عن الاتصال، أرسله اللوزي قبل شهرين من دخول محمود بنونة ومن معه، ليتعرف على الأماكن التي سيقيمون فيها. بل إن ساعة –الذي سبق له أن أن كان مساعدا لقائد السلطة بكلميمة- سبق له تخزين عدد من الأسلحة في بيت الرجل.
فهم ساعة آنذاك الأمر، فالرجل/الدركي، كان عميلا للسلطات الأمنية، وهو من أخبرها عن مخابئ الأسلحة. كما أن كثيرا من الارتباك الذي رافق دخول محمود بنونة ورجاله إلى المغرب، لم يكن سببه ارتباك تنظيمي، بل كانت محاولات لإفشال العملية من بدايتها. آنذاك، لم يعد من بد أمام ساعة إلا التراجع إلى وهران.
في وهران، كانت القيادة تعيش على وقع جو متوتر مشوب بالحماس والحذر والخلافات…
عن موقع
marayanaمرايانا

تعليقات
إرسال تعليق