التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: المحاكمة والإعدام (12/12)

 التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: المحاكمة والإعدام (12/12)

الجزء الأخير

لم تكن محاكمة عادية، بل اختلط فيها السياسي بالعسكري، وشهدت فصولا مثيرة نسلط الأضواء على بعضها في الجزء الأخير من هذا الملف

يوسف المساتي ــ أمال مديد

في اليوم الموالي لهجوم مولاي بوعزة، قامت السلطات المغربية بمنع حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما شنت سلسلة اعتقالات طالت 13 محاميا، من بينهم محمد اليازغي، وعمر بنجلون الذي كان قد رفض توجيها من قيادة الخارج، بمغادرة البلاد قبل الثالث من مارس… بينما كان عبد الرحيم بوعبيد يتابع الأحداث من باريس.

طار الجدايني إلى وهران يوم التاسع من مارس، حيث زوده الميد بحمولة من الأسلحة. أراد الجدايني أن يوظفها في سلسلة عمليات، لكن قوات الأمن تمكنت من الإطاحة به. حجزت عشرات الكيلوغرامات من المتفجرات والأسلحة الأوتوماتيكية، وجوازات سفر بيضاء… وآلاف المنشورات تدعو للثورة.

يوم التاسع عشر من مارس، اعتقل المهتدي بالدارالبيضاء. بمجرد وصول الخبر إلى عمر دهكون، أمر بجمع الأسلحة التي كانت في حوزة المهتدي ووضعها في مكان آمن.

يوم عشرين مارس… انفجرت أربع قنابل بوجدة، مستهدفة بنايات إدارية. ثم تلاها، في اليوم الوالي، انفجارات بالناظور.

يوم الخميس 22 مارس، ستتمكن قوات الدليمي من اعتقال دهكون، بعد بحث دام لسنوات. كانت العملية مفاجئة، وتمكنت الشرطة من الانقضاض عليه قبل أن يبادر إلى سلاحه؛ فدهكون، كان عازما ألا يعتقل حيا مهما جرى، لكن… كان للمفاجأة دورها.

بعد شهر من الانتظار، عاد عبد الرحيم بوعبيد من باريس. بمجرد دخوله الأراضي المغربية، تم الحجز على جواز سفره ووضع تحت الإقامة الجبرية.

في نفس الوقت، شنت حملة شعواء من الاختطافات، طالت مناضلي الاتحاد في كل القرى والمدن. كثيرون منهم اختفوا ولم يظهر لهم أثر إلى الآن. تفننت قوات الدليمي في تعذيب المناضلين بشتى أشكال التعذيب وأبشعها.

محاكمة سياسية عسكرية

الزمان: 25 يونيو 1973

المكان: المحكمة العسكرية القنيطرة

الحدث: بدء محاكمة المتورطين في أحداث 1973

داخل المحكمة، تم تقديم 149 متهما لضلوعهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في العملية؛ في حين مثل 123 متهما أمام محكمة مكناس. تشكلت محكمة القنيطرة من رئيس مدني وثلاثة قضاة برتب عسكرية، ووكيل للملك. كان رئيس المحكمة هو محمد اللعبي، الذي كان كاتبا خاصا لمحمد بن عرفة، الذي نصبته سلطات الاحتلال مكان محمد الخامس، كما أنه كان محرر عقد البيعة لابن عرفة، وأدرج اسمه ضمن لوائح الخونة، بعدما صودرت ممتلكاته، قبل أن يعفو عنه محمد الخامس ويعينه قاضيا.

قبل بداية المحكمة، تدخل المعطي بوعبيد ليخبر المحكمة بوجود محاميين من الجزائر للدفاع عن المتهمين؛ إلا أنه لم يسمح لهما بالترافع، كما منعت عائلات المتهمين من حضور الجلسة، حيث اقتصرت على هيئة الدفاع والشرطة وبعض الصحافيين.

وقف عمر دهكون ورفاقه، ممن تدربوا في الخارج، واعتقلوا وهم يحملون السلاح. كان كثير منهم يعرف الحكم مسبقا. غير بعيد عنهم، يقف عدد من أطر وقادة الخلايا السرية للتنظيم، وبجوارهم أطر الحزب، وعلى رأسهم عمر بنجلون.

لم تخل المحاكمة من أجواء مشحونة، فقد طالب محمد بوستة، بإبطال استدعاء عبد الرحيم بوعبيد كشاهد، على اعتبار أنه سبق أن تنصب للدفاع عن عمر بنجلون ومحمد اليازغي، وهو طلب رفضته المحكمة، وتمسكت بإحضار بوعبيد كشاهد وليس كمحامي.

من جهته، أثار عبد الرحمان بنعمرو مسألة عدم اختصاص المحكمة العسكرية بالنظر في القضية، معتبرا أن تشكيل المحكمة غير مشروع، وأنه لا يحق لها النظر في التهم الموجهة للمتهمين؛ كما اعتبر أن مسطرة التحقيق التمهيدي، المنجزة من طرف الشرطة القضائية باطلة، ما يترتب عليه إبطال جميع المحاضر.

اختلطت الأجواء بين جرأة نادرة، أظهرها البعض ممن بقوا على مواقفهم، وخوف جعل آخرين لا يترددون في البكاء أو إعلان الولاء للحسن الثاني، طمعا في تخفيف الحكم؛ بينما استغل آخرون الفرصة للقيام بمرافعات سياسية كالدكتور عمر الخطابي، ابن شقيق محمد بن عبد الكريم الخطابي.

جرأة نادرة

عندما سألت المحكمة سعيد أوخويا عن السلاح الرشاش الذي وجد بحوزته، أجاب ضاحكا:

–         ماذا تعتقدون؟ هل هي عصا راع يرعى قطيع نعاج؟ لا. إنها بندقية رشاشة من أجل تحرير بلادي من الاستبداد. ولو بقيت هناك رصاصة واحدة في بندقيتي، لما كنت هنا اليوم.

عندما جاء دور الدكتور عمر الخطابي ليرد على سؤال النيابة العامة حول رأيه في الملكية، نظر إلى وجه الحاضرين مليا ثم أردف:

–         إنها فعلا أول مرة يطرح عليّ فيها هذا السؤال في هذا البلد. احتراما للمحكمة، واحتراما لكرامتي، لن أجيب على هذا السؤال.

عندما جاء دور عبد الرحيم بوعبيد للإدلاء بشهادته، استغل الفرصة وألقى مرافعة دامت أكثر من ساعة، عرض من خلالها موقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من الأوضاع العامة في البلاد، معتبرا أن وضع متفجرات بصواعق غير كافية لإحداث التفجير في أكثر من منطقة، لا يعتبر دليلا على السعي إلى القيام بثورة لتغيير نظام الحكم في البلاد.

الحكم

يوم الخميس 30 غشت 1973، نطقت المحكمة بحكمها في القضية: ستة عشر حكما بالإعدام، وخمسة عشر بالمؤيد، في حين توزع الباقي… بين عشرين سنة والبراءة.

ما إن نطق القاضي بالأحكام، حتى انتفض لحسن تاغجيجت، المحكوم بالإعدام; مرددا نشيد “من جبالنا طلع صوت الأحرار …. ينادينا بالاستقلال/ تضحيتنا للوطن…. خير من الحياة…”. استغرقت المجموعة معه في النشيد، متحدية بذلك حكم الإعدام.

صباح الخميس فاتح نونبر من سنة 1973، نفذ حكم الإعدام في كل من عمر دهكون، الجدايني، يوس مصطفى، حسين آيت زايد، حديدو موحى أولحاج، دحمان سعيد، الناصري، بوزيان، العثماني، آيت عمي، با العمراني، الجزار، صبري، وفريكس.

بينما تم تأجيل إعدام المهتدي، لحين أخذ شهادته في المحاكمة الثانية، التي نطق بأحكامها في 18 يناير 1974، وأضيف للائحة المحكوم عليهم بالإعدام: سعيد أوخويا، موحى أوحمو، جناح بوجمعة، محمد الحجاوي، ميري بوجمعة وادريس الملياني.

صباح السابع والعشرين من غشت، أفرجت السلطات عن عمر بنجلون واليازغي. في الوقت نفسه، أعدمت الستة الآخرين رفقة المهتدي.

بهذا… تنتهي فصول واحدة من أهم الاحداث التي عرفها تاريخ المغرب المعاصر، والتي لم تنل حقها من البحث والدراسة رغم أهميتها، إذ أن ما كتب حولها معدود على رؤوس الأصابع، يبقى أهمها كتابين، أحدهما لمحمد لومة والآخر للمهدي بنونة، نجل الراحل محمود بنونة، ومقالات وتقارير موزعة هنا وهناك، في ظل صمت كثير من الرفاق ممن عاشوا المرحلة، حيث يختلط التاريخي بالإيديولوجي… وتضيع الحقيقة في ركام الصمت المفتعل.

 



 عن موقع 

marayanaمرايانا

تعليقات